ابراهيم اسماعيل الشهركاني

377

المفيد في شرح أصول الفقه

عمليا وأخرى نظريا ؛ وكأنه يريد من العقل العملي نفس التصميم والإرادة للعلم ، وتسمية الإرادة عقلا وضع جديد في اللغة . 4 - أسباب حكم العقل العملي بالحسن والقبح : إن الإنسان إذ يدرك بأن الشيء ينبغي فعله فيمدح فاعله ، أو لا ينبغي فعله فيذم فاعله ، لا يحصل له هذا الإدراك جزافا واعتباطا ، وهذا شأن كل ممكن حادث بل لا بد له من سبب . وسببه بالاستقراء أحد أمور خمسة نذكرها هنا لنذكر ما يدخل منها في محل النزاع في مسألة التحسين والتقبيح العقليين ، فنقول : ( الأوّل ) : أن يدرك أن هذا الشيء كمال النفس أو نقص لها ، فإن إدراك العقل لكماله أو نقصه يدفعه للحكم بحسن فعله أو قبحه كما تقدم قريبا ، تحصيلا لذلك الكمال أو دفعا لذلك النقص . ( الثّاني ) : أن يدرك ملاءمة الشيء للنفس أو عدمها إما بنفسه ( 1 ) ، أو لما فيه من نفع عام أو خاص ، فيدرك حسن فعله أو قبحه تحصيلا للمصلحة أو دفعا للمفسدة . وكل من هذين الإدراكين - أعني : إدراك الكمال أو النقص ، وإدراك الملاءمة أو عدمها - يكون على نحوين : 1 - أن يكون الإدراك لواقعة جزئية خاصة ، فيكون حكم الإنسان بالحسن والقبح بدافع المصلحة الشخصية . وهذا الإدراك لا يكون بقوة العقل ، لأن العقل شأنه إدراك الأمور الكلية لا الأمور الجزئية ، بل إنما يكون إدراك الأمور الجزئية بقوة الحس أو الوهم أو الخيال ، وإن كان مثل هذا الإدراك قد يستتبع مدحا أو ذما لفاعله ولكن هذا المدح أو الذم لا ينبغي أن يسمى عقليا بل قد يسمى - بالتعبير الحديث - ( عاطفيا ) ؛ لأن سببه تحكيم العاطفة الشخصية ولا بأس بهذا التعبير . 2 - أن يكون الإدراك لأمر كلي ، فيحكم الإنسان بحسن الفعل لكونه كمالا للنفس ، كالعلم والشجاعة ، أو لكونه فيه مصلحة نوعية كمصلحة العدل لحفظ النظام وبقاء النوع الإنساني . فهذا الإدراك إنما يكون بقوة العقل بما هو عقل ، فيستتبع مدحا من جميع العقلاء .